|
الرئيسية -
مقالات وآراء
|
|
Written by عاشور الشامس
|
|
Dec 15, 2009 at 06:04 AM |
|
كـفاءة عالـية.. وحـياء.. ودبلوماسـية خـفـية !!
اخـبار ليـبـيا: طارق مصطفي بن حليم فاعل خير مجهول. سخر السنوات الأخيرة من عمره لأعمال
الخير والاحسان والمشاركة في الأعمال الخيرية في العراق ومصر وليبيا مسقط رأسه
وبلده الأم التي ترعرع فيها. وهو من الرجال العاملين في صمت من أجل بناء الجسور
التي تربط العالم الغربي بالعالم العربي لتحقيق التنمية والتقدم الاجتماعي والرفع
من قيمة الإنسان.
خرج طارق من ليبيا صغيرا. وقضى بقية حياته في الغرب حيث تلقى تعليمه، فتخرج من
جامعة "واريك" بانجلترا ثم تحصل على (م بي أيه)MBA من جامعة هارفرد بأمريكا. فنشأ
طارق فخورا بأصوله العربية الليبية كإبن للسياسي المحنك والدبلوماسي المعروف السيد
مصطفي بن حليم، رئيس وزراء ليبيا ما بين 1954 و 1957 وسفير ليبيا في فرنسا من 1958
وحتى 1960، والسيدة يسرى كنعان من إحدى الأسر الفلسطينية العريقة. وقد حافظ طارق
طوال حياته المهنية على اهتمام خاص بتحقيق التنمية وترسيخ المباديء الديموقراطية في
العالم العربي.
وقد عبر عن ذلك بقوة في مقال نشرته صحيفة لوس انجليس تايمزLos Angeles Times بتاريخ
9 فبراير 2003، قال فيه: "أنا عربي من أصول فلسطينية ليبية. وأنا أؤمن إيمانا راسخا
أن شعوب الشرق الأوسط في حاجة ماسة للتخلص من أنظمة لا تخدم الا مصالحها الخاصة ولا
تمثلها بأي حال من الأحوال. أنظمة ظلت تحكمها ـ باستثناءات معدودة ـ منذ القرن
التاسع عشر".
واستطرد يقول: "هذه الحكومات، سواء منها الملكية الوراثية او التي تَدعي بأنها
جمهوريات ثورية، أخفقت في الغالب في حق وخدمة شعوبها اخفاقا ذريعا... فالمشكلة
الحقيقية هي عدم وجود حكومات تمثل شعوبها تمثيلا كاملا ونزيها، ومعرضة للمحاسبة
الدقيقة حتى تستطيع معالجة قضايا الامة وحاجاتها".
طـارق وقـصته مـع ليـبـيا....
ومع ليبيا لطارق بن حليم قصة لها جذور وشجون. فهي بلده ولد فيها
يوم 4 ديسمبر 1955، وهي البلد التي تركها مضطرا عام 1969، وهي البلد التي عاشت في
قلبه وفؤاده طول السنين. فرغم خروجه منها صغيرا ظلت لغته العربية تحمل اللكنة
الشرقاوية (لهجة شرق ليبيا)، وظلت ليبيا هي المحور التي دائما ما تدور عليه أحاديثة
ونكاته واهتماماته، وظل الحنين يتعقبه ويشده اليها بعد غياب طويل. وكان يرى فيها
نموذجا مرشحا لتحقيق التقدم والتنمية والنهوض أكثر من أي بلد عربي آخر، لو توفرت له
الفرص والقيادة الحكيمة والعقول الوطنية المخلصة.
وفي 2005 وجه سيف الاسلام القذافي دعوة لأسرة بن حليم للعودة الى ليبيا ضمن دعوة
لليبين عامة للعودة لبلادهم. وفي شهر يونيو من السنة نفسها اجتمع طارق مع سيف
الاسلام في لندن فدعاه للمساهمة في الاصلاح الاقتصادي. ولم يمر شهر واحد الا وطارق
في طرابلس للتعاون مع المسؤولين في مصرف ليبيا المركزي في أول مشروع في ليبيا لتخصخصة
المصارف الليبية التي كانت ليبيا مقدمة عليه في ذلك الوقت. وذهب طارق مسرعا متطوعا
وعلى حسابه الخاص الى طرابلس في يوليو 2005 وتكررت زياراته اليها فيما بعد حتى عام
2008. وكانت خطوات البداية ناجحة، كما يشهد بذلك كل من عمل مع طارق في هذا المشروع،
من ليبيين وغير ليبيين. وكانت أسعد الاوقات التي مرت عليه تلك التي استطاع فيها
توظيف مهاراته وعلاقاته (بصنوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية والمصرفية
العالمية الكبرى في أمريكا وأوروبا) وخبراته وتجربته المصرفية أحسن توظيف.
لقد كان المحرك الرئيسي والدينامو الحقيقي لعلمية خصخصة النظام المصرفي في ليبيا. وعمل على اقتراح الخيارات المختلفة ومتابعتها.. وكان
يُذهل أحيانا للسرعة التي تجاوب بها االمسؤولون في ليبيا ـ من إداريين ومصرفيين
وغيرهم ـ معها. إلا أنه في عام 2008 استقال طارق من علمه التطوعي كمستشار لمصرف
ليبيا المركزي بعد أن جُمدت ـ للأسف ـ عملية الاصلاح الاقتصادي فجأة وأصبحت الامور
معلقة ومتأرجحة.
وقـصــته مـع الـعراق...
وقبل ذلك وفي عام 2003 وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق اتجه طارق
متطوعا الى بغداد ليساهم مع القوات البريطانية هناك حيث اشتغل مع "سلطة التحالف
المؤقته" لإنشاء نظام سوق اقتصادية حرة، بالتعاون مع الحاكم الأمريكي آنذاك "بول
برمير".
لقد تمكن طارق كمساعد لمدير عام تنمية القطاع الخاص في سلطة التحالف المؤقتة أن
يوظف مهاراته وخبراته كرجل مصرفي وخبير مالي في الإدخار وتوظيف الأموال. واستطاع
بحكم علاقاته الواسعة في عالم المال والأعمال، وخبرته بالعالم العربي، أن يساهم
مساهمة فعالة في انتشال العراق من صدمات الاحتلال الأولي والزلزال الذي أذهل الشعب
العراقي والامة العربية كلها. لقد كان دافعه الأول ذلك الإيمان العميق بأن النجاح
في بناء الدولة هو الأساس لأي استقرار منشود في المنطقة بكاملها.
ولكنه ـ إيمانا بمبادئه التي يحملها ـ قرر طارق الاستقالة من عمله في العراق عندما
اتضح له أن السلطة الأمريكية الحاكمة هناك لم تعد مهتمة بدعم نظام ديوقراطي مستقل
بقدر ما كانت تحرص على فرض شروطها الخاصة على كل من شركائها في التحالف وعلى
العناصر العراقية التي تسعى الى بناء نوع من الديموقراطية.
وقصـته مـع مـصر...
كان طارق يؤمن أن من واجب أغنياء العرب توظيف جزء من أموالهم
لصالح فقرائهم. ففي عام 2004 أنشأ مؤسسة خيرية باسم "الفنار" مهمتها تأمين التمويل
لكثير من المشاريع الاجتماعية والخيرية الصغيرة التي تعمل على دعم المشروعات في
مجالات حماية الطفل وتوليد الدخل، وتنمية المهارات، وحماية الحقوق الاقتصادية
والاجتماعية للأفراد. ولا يقتصر ما تقدمة "الفنار" على الدعم المالي بل تقدم
الخبرات والمهارات التي ما كانت لتتوفر لهذه المؤسسات لولا مساندة "الفنار".
كان اعتقاد طارق جازما بأن الضمان لحماية الديموقراطية هو مؤسسات مستقلة فعالة
شفافه تعمل في إطار القانون. وفي ليبيا كان حريصا أن يلعب دوره في إنشاء مصرف مركزي
وطني يقوم على أسس إدارية ومهنية عالية يأخذ بها مكانته وموقعه بين المصارف
الدولية.
كان اسلوبه حازما يمتزج بدبلوماسية خفية عالية. كان حييا في غير تملق للآخرين أو
تكبر عليهم. كان يدخل في الموضوع مباشرة ويوظف الوقت في الغوص الى جوهر المشكلة.
وكان طارق شعلة من الذكاء متشوقا للعمل متوقدا الى البحث عن حلول أفضل وطرق أقصر
لإيجاد مفاتيح وحلول أحسن واكثر فاعلية. كان من الخبرات النادرة التي طالما احتاجت
اليها ليبيا اليوم، الفريدة في تعاملها مع مشاكل العرب بمهنية الغرب وكفاءاته
وفاعليته.
لقد قضى الله أمره، وليس لنا معه خيرة من أمرنا. وما علينا إلا القبول به، ولا نقول
إلا ما يرضي ربنا: لله ما أعطى وله ما أخذ، وإنا لله وإنا اليه راجعون.
توفي طارق بن حليم يوم الجمعة 11 ديسمبر 2009 في لندن بعد مرض عضال ظل يعانيه أكثر
من خمسة عشر شهرا. |
|
Last Updated ( Dec 16, 2009 at 05:42 AM )
|